الصفحة 4 من 127

النور، وضمنه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم ما فرط الله سبحانه فيه من شيء. ومما لا شك فيه أن الدواء من أهم أمور المعاش، ومن عظيم مصالح البشر، وإذا كان كذلك، فكيف يهمله الشرع؟ وقد اعتنى أهل العلم قديمًا وحديثًا في بيان أنواع الأدوية الإلهية التي وردت الإشارة إليها في القرآن والسنّة، وصنّفوا في ذلك تصانيف كثيرة، بعضها يحمل اسم الطب النبوي، لأن ما علم عن طريق الوحي من الأدوية غير الحسية، إنما علم عن طريق صاحب الوحي، فما جاء في الكتاب العزيز، جاء عن طريقه، وما نطق به، مما أوحي إليه ربه فعن طريقه علم.

ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث طبيبًا، ليداوي علل الأبدان، وإنما بعث طبيبًا يداوي القلوب والأرواح، بعث هاديًا وداعيًا إلى الله، ومعرفًا به، وداعيًا إلى جنته، أما طب الأبدان فقد جاء تبعًا وضمنًا، ومقصودًا لغيره [1] . ولا يعني هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم في طب الأبدان، بل ورد عنه ذكر كثير من الأدوية الحسية، وغير الحسية.

ومما لا شك فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى، فإذا ذكر دواء فهو حق لا مرية فيه، وقد لا يحصل الشفاء به لبعض الناس، لأسباب في المريض، أو الطبيب، أو كيفية الدواء، أو غير ذلك من العوارض، التي تحول دون الشفاء. ومما لا شك فيه أيضًا أن الطب النبوي أعظم قدرًا وأجلّ من الطب التجريبي، بل نسبة هذا إلى طب النبوة، كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طب الأطباء، وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم، كما قال ابن القيم، لأن طب الأطباء لا يعدو كونه قياسًا، أو تجربة، أو إلهامًا أو حدسًا صائبًا، فأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله،

(1) انظر: زاد المعاد (4/ 24)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت