بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي، كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء، فليس طب النبي - صلى الله عليه وسلم - كطب الأطباء، فإن طبه متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس، وظنون، وتجارب. بل ههنا من الأدوية التي تشفي الأمراض، ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله، والتوكل والالتجاء إليه [1] .
وقد ذهب بعض الناس إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكلم في الدواء بالوحي، وإنما كان ما يصفه من ذلك من جملة ما يصفه العرب من الطب التجريبي. قال ابن خلدون [2] : وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، ويتداولونه متوارثًا من مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض، إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا عن موافقة المزاج. وعند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون ... قال: والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديًا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح
(1) المصدر نفسه (4/ 35، 36) .
(2) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الحضرمي الأشبيلي الأصل التونسي ثم القاهري المالكي المعروف بابن خلدون، ولي الدين أبو زيد، أديب مؤرخ، ولد بتونس سنة 732 هـ، وتوفي بالقاهرة سنة 808 هـ. من مصنفاته: العبر في تاريخ الملوك. انظر: الضوء اللامع (4/ 145) ، ومعجم المؤلفين (5/ 188) .