الصفحة 6 من 127

النخل ما وقع، فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» [1] ، فلا ينبغي أن يحمل شيء من الذي وقع من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إن استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم النفع، وليس ذلك من الطب المزاجي، وإنما هو آثار الكلمة الإيمانية، كما وقع في مداواة المبطون بالعسل ونحوه [2] .

وهذا القول متعقب من وجوه:

الوجه الأول: كيف يرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، والأمة جمعاء إلى استخدام أدوية موروثة من مشايخ الحي وعجائزه، مما لم يصدر عن وحي، ولم تدعمه تجربة صحيحة؟ بل هذا لو صدر من رجل عادي لعد خطأً وظلمًا، لما فيه من المخاطرة بأجساد الناس، فكيف يصدر من نبي مرسل، أوتي الحكمة والعلم والشفقة والرحمة على وجه التمام؟ هذا باطل بلا شك، والرسول - صلى الله عليه وسلم - منزه ومبرأ عن مثل هذا.

الوجه الثاني: كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث طبيبًا، لا يلزم منه عدم تعريفه بالطب أو غيره من العلوم التي تحقق مصلحة، أو تدفع عن الأمة مفسدة. وقد تقدم أن دين النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتمل على جميع مصالح البشر، ومنها مصالح الأبدان، وأن دعوة الأنبياء تضمنت

(1) رواه مسلم في كتاب الفضائل (4/ 1835) ، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا، ح: 2361 من حديث طلحة - رضي الله عنه - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم على رؤوس النخل فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» ، فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى، فتلقح. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أظن يغني ذلك شيئًا» ، قال: فأخبروا بذلك، فتركوه. فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوه، فإني لا أكذب على الله عزوجل» .

(2) مقدمة ابن خلدون، ص 405.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت