الصفحة 77 من 127

القسم الأول: حل السحر عن المسحور بالرقى، والتعوذات، والدعوات الصحيحة المأثورة، وبالأدوية المباحة، فهذا جائز بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة [1] بشروطه المعتبرة، وهي:

أولًا: أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، أو بالأذكار والأدعية الصحيحة المأثورة.

ثانيًا: أن تكون بلسان عربي، أو بما يُعرف معناه من غيره.

ثالثًا: الاعتقاد بأن النُشرة والرقى ونحوها لا تؤثر بذاتها وطبعها، بل بتقدير الله تعالى ومشيئته، وأنها سبب لحصول الشفاء من عند الله تعالى.

قال صديق حسن خان: وكل عمل ودعاء ينشر المرض والداء، وينفع من الأسقام والأدواء، يصدُق أنه نُشرة، يجوز الانتفاع به، إن كان من ألفاظ القرآن

(1) أما ما نُقل عن بعض السلف من كراهيتهم وتركهم التداوي بالأدوية المباحة والمشروعة، فهو محمول على كمال توكلهم على الله، ورضاهم بقضائه وقدره، وصبرهم على بلائه، كما دل عليه حديث السبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وفيه: «هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون» (متفق عليه، البخاري(5752) ومسلم (1/ 198) ، إلا أن هذا لا يقدح في جواز التداوي بالأدوية المشروعة المباحة، كالرقى والكي ونحوها لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة الصريحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن السلف الصالح، ولكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، والله أعلم (وانظر التمهيد 5/ 267 وما بعده، والفتح 10/ 211، وصحيح مسلم(النووي) (14/ 169) . أما من كره الرُقى على وجه العموم والنُّشْرَة على وجه الخصوص كما هو مذهب أهل العراق كابن مسعود (رضي الله عنه) وبعض تلامذته كالحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهم، أخذًا بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولَة شرك» . والحديث (أخرجه الإمام أحمد(1/ 381) وأبو داود (3883) وابن ماجه (3530) وابن حبان (1412) =والحاكم (4/ 217) وصححه، ووافقه الذهبي وتبعهما الألباني (الصحيحة 331) واستدلوا أيضًا بخصوص قوله - صلى الله عليه وسلم - حينما سئل عن النُشْرة فقال: «هي من عمل الشيطان» ويأتي تخريجه، فهذا محمول على أحد أمرين:

أحدهما: أن الأحاديث والآثار الدالة على جواز الرقى والاسترقاء لم تبلغهم، وهذا فيه بعد.

ثانيهما: أنهم إنما كرهوا أنواعًا من الرقى صورتها لم تكن معلومة لهم ولا معروفة في زمن الوحي، خشية أن يكون فيها شرك أو تكون سببًا له، فيكون ذلك من باب سد الذرائع فيمتنع احتياطًا، وهو الأقرب إلى الصواب، كما تدل عليه قصة ابن مسعود (رضي الله عنه) مع امرأته في الحديث السابق، وكذلك الآثار الواردة عن تلامذته (وانظر الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي(10/ 318) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت