الصفحة 86 من 127

في هذا الوعيد كلُّ من أتى هؤلاء السحرة والعرّافين، ومن كان على طريقتهم، وسألهم عن أي أمر من الأمور، سواء سألهم أن يحلوا عنه السحر، أو يصنعوا له سحرًا، أو يخبروه عن أمر غيبي، أو غير ذلك من أنواع السؤال، لأن ظاهر قوله: «قلا تأتوا الكهان» وقوله: «فسأله عن شيء» يعم ذلك كله، فالأول نكرة في سياق النهي، والآخر جواب الشرط وكلاهما من صيغ العموم [1] .

وثانيهما: هي سؤالهم حل السحر، ثم تصديقهم والعمل بما يخبرونه به من طرق الاستشفاء وأنواع الأدوية المزعومة، فإنه بهذا قد وقع فيما هو أشد وأخطر، وربما أفضى به ذلك إلى الخروج عن دائرة الإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أتى عرّافًا أو كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -» [2] وفي لفظ: «من أتى عرافًا أو ساحرًا، أو كاهنًا، فسأله فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -» [3] . ووجه كون تصديقهم بما يقولون كفرًا بما أُنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو

(1) استثنى العلماء من هذا العموم سؤالهم امتحانًا لهم لبيان حالهم وحقيقة أمرهم، أو لبيان عجزهم وإظهار كذبهم وتدليسهم على الناس، فإن ذلك جائز كما دلت عليه قصة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ابن الصياد وسؤاله له فيما رواه البخاري (1354) ومسلم (4/ 2240) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 62) .

(2) رواه الإمام أحمد (2/ 429) والحاكم (1/ 8) والبيهقي (8/ 135) عن أبي هريرة، وإسناده صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه الإمام أحمد (2/ 408و 476) وأبو داود (3904) والنسائي في الكبرى (5/ 323) والترمذي (135) وابن ماجة (639) وغيرهم بلفظ: «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنْزل على محمد» وإسناده صحيح.

(3) رواه ابن أبي شيبة (3579) وابن الجعد (1941 وما بعده) ، والبزار (كشف الأستار 2067) وأبو يعلى (5408) والبيهقي (8/ 136) عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفًا، وأسانيد تلك الروايات حِسَان وبعضها صحيح، ومثله لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، كما قال العراقي في الألفية:

وما أتى عن صاحبٍ بحيث لا ... يُقَال رأيا حكمُه الرفع على

ما قال في المحصول نحو من أتى ... فالحاكم الرفع لهذا أثبتا

=وقد رواه ابن الجعد (1948) وأبو نعيم في الحلية (5/ 104) مرفوعًا إلا أن إسناده ضعيف، والصحيح الأول لضعف وتفرد رافعه وهو يحيى بن عبد الحميد الحماني ومخالفته لسائر من رواه موقوفًا ممن هو أوثق وأضبط منه، ورواه ابن الجعد بسند آخر عن حذيفة موقوفًا (1952) ، وأشار (رحمه الله) إلى تفرد رَوْح وهو ابن عبادة بروايته تلك عن بقية من رواه عن شعبة عن عبد الله بن مسعود، فدل على ضعفها وشذوذها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت