فهرس الكتاب
والألف واللام في النُشرة المسئول عنها في هذا الحديث هي للعهد الذهني، أي النُشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها أو يصفونها لمرضاهم من المسحورين ونحوهم، لا النُشرة بالرقي والتعوذات الشرعية والأدوية المباحة، فإن ذلك جائز كما سبق بيانه، وقد كان شائعًا عند أهل الجاهلية قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - تعاطي أنواعًا شتى من الرقى والنُشَر التي لا تخلو من عمل محرم أو محذور، فهي إما أن تكون باستخدام الشياطين والتقرب إليهم، كدعائهم فيها وذكر أسمائهم، أو بما لا يُعرف معناه ويخفى علمه ومحتواه كالطلاسم ونحوها، أو غير ذلك فأبان - صلى الله عليه وسلم - حكم تلك النُشر وما كان على صفتها، وأخبر بأنها من عمل الشيطان، أي من تزيينه وإيحائه وإضلاله، لا من الرقى والتعاويذ التي هي بآيات الله تعالى والأدعية المأثورة، وهذا يدل على منعها وتحريمها، لأن قوله - صلى الله عليه وسلم: «هي من عمل الشيطان» يغني عن قوله أنها حرام، بل هو أشد في المنع، لأن ربطها بعمل الشيطان يقتضي تقبيحها والتنفير عنها، والحديث وإن لم يكن فيه صيغة النهي ولكن فيه ما يدل على النهي، لأن طرق إثبات النهي عديدة، منها التصريح بذكر صيغة النهي عن الفعل، ومنها ذم فاعله كما في هذا الحديث.
وما يصنعه سحرة هذا الزمان وأدعياء الرقى والتعاويذ المشبوهة لا يختلف كثيرًا عما يصنعه سحرة أهل الجاهلية في جاهليتهم، بل هم أشد خطرًا وأعظم بلاءً