فهرس الكتاب
قال ابن القيم - رحمه الله: العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره، والأيام والليالي مراحل فلا يزال يطويها حتى ينتهي السفر، فالكيِّس لا يزال مهتمًا بقطع المراحل فيما يقربه على الله ليجد ما قدم محضرًا ثم الناس منقسمون إلى أقسام، منهم من قطعها متزودًا بما يُقربه إلى دار الشقاء من الكفر وأنواع المعاصي، ومنهم من قطعها سائرًا فيها إلى الله وإلى دار السلام، وهم ثلاثة أقسام: سابقون أدوا الفرائض وأكثروا من النوافل بأنواعها، وترك المحارم، والمكروهات وفضول المباحات، ومقتصدون أدوا الفرائض وتركوا المحارم، ومنهم الظالم لنفسه الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا وهم في ذلك درجات متفاوتون تفاوتًا عظيمًا اهـ.
والموفق من يغتنم الزمن فيصرفه في طاعة الله عز وجل من دراسة كتابه وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدبرهما وتفهمهما والنظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير وابن كثير ونحوهما من المحققين، والمطالعة في شرح البخاري ومسلم وسائر السنن، ومُصنفات العلماء المُحققين، كالموفق والمجد وشيخ الإسلام وابن القيم ونحوهم من الأئمة جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
وقال بعضهم يُوبخُ نفسه ويحثها على حفظ الوقت:
مَا بالُ قَلْبَكَ قَدْ الْهاهُ عاجله ... مِنْ أمرِ دُنياه حَتَّى فَاتَ آجِلُهُ
يَا غَافِلًا وَالمنايا غِيرُ غافلةٍ ... هَل رَدَّ حَتْفَ امرئٍ عَنْه تَغَافُلُهُ
دُنْيَاَك والنَّفْسُ والشَّيطانُ قَدْ نَصَبُوا ... لَكَ الحَبَائِل فَانْظُرُ مَن تقاتِلُهُ
يَا عَالمًا حُبُّه دُنْياهُ يُذهلُهُ ... عن رُشْدِه فَهْو بَالتَّحقِيق جاهِلُهُ
أُعْطيْتَ مُلْكًَا فَسُسْ مَا أَنْتَ مالِكُهُ ... مَنْ لَم يَسُسْ مُلْكَهُ فالمُلكُ قَاتِلُهُ
وَبَادِرِ العُمْرَ فَالسَّاعَاتُ تَنْهَبُهُ ... وَمَا انقْضَى بَعضُه لَم يَبْقَ كَامِلُهُ