فهرس الكتاب
فالقرآن الكريم يثبت أن عيسى مادعا إلا إلى التوحيد الكامل، وهذا ما يقوله الله تعالى عما يكون من عيسى يوم القيامة من مجاوبة بينه وبين ربه: { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب . ماقلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وانت على كل شىء شهيد } [ سورة المائدة، 116-117 ]
فهذا نص يفيد بصراحة أن عيسى- عليه السلام- ما دعا إلا إلى التوحيد، فغير التوحيد إذن دخل النصرانية من بعد، وما كان عيسى إلا رسول الله رب العالمين .
ولقد نزل على السيد المسيح عليه السلام كتاب هو الإنجيل ، وهو مصدق للتوراة، ومحيي لشريعتها، ومؤيد للصحيح من أحكامها ، وهو مبشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وهو مشتمل على هدى ونور، وهو موعظة للمتقين، وأنه كان على أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه، ولذلك قال الله تعالى:"وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ." [ سورة المائدة: 47 ]
دعوة المسيح عليه السلام:
ولقد كانت دعوة المسيح عليه السلام تقوم على أساس أنه لا توسط بين الخالق والمخلوق، ولا توسط بين العابد والمعبود، فالأحبار والرهبان لم تكن لهم الوساطة بين الله والناس ، بل كل مسيحي يتصل بالله في عبادته بنفسه، من غير حاجة إلى توسط كاهن أو قسيس أو غيرهما ، وليس شخص- مهما تكن منزلته أو قداسته أو تقواه- وسيطا بين العبد والرب في عبادته، ونعرف أحكام شرعه مما أنزل الله على عيسى من كتاب وما أثر عنه من وصايا، وما اقترنت به بعثته من أقوال ومواعظ . [ محاضرات في النصرانية، للإمام محمد أبي زهرة، صـ 12، 13، بتصرف . ]