الصفحة 201 من 269

هكذا يصور الإنجيل هذا المشهد المأساوى، ونحن نستخلص منه: كيف يعمل النكران والكفر عمله ببني إسرائيل في علاقاتهم وتاريخهم مع السيد المسيح، فحتى أثناء المواقف الرهيبة التي طاردوا فيها السيد المسيح، ووصل إلى الحال الذي صورته الأناجيل، قد وقفوا منه في شماتة وسخرية، ينادون بعبارات الجحود والنكران، مؤملين في اندفاعهم وحقدهم أن يقتلوا في قلب من لا يزال متعلقا أو مرتبطا بما دعا إليه المعلم عليه السلام- كل أثر لهذا الارتباط .

يقول"متى": . . . . وكذلك رؤساء الكهنة أيضا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا: خلص آخرين، وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها ! إن كان هو ملك إسرائيل فينزل الآن من على الصليب فنؤمن به ، قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراد ، لأنه قال أنا ابن الله"."

ومن أعجب العجب أنه حتى الذين لم يكن من صالحهم ولا يضيرهم حياة السيد المسيح أو نهايته، بل وما يكون لهم أن يجاروا قوى التناقض الطبقي الذين يهددهم منهج السيد المسيح في الحياة ودعوته إلى الحب والعدل، أن اندفعوا مع القوم في ثورتهم ، وأصبح تيار التمرد والسخط والرفض لقيم الحق والخير يشمل جميع فئات وجماعات بني إسرائيل، فاللصان اللذان كانا حكم عليهما بالصلب، وبنفس النهاية التي يبتغيها القوم للسيد المسيح، قد أصبحا رغم نهايتهما السيئة، مثل القوم جميعا ويرون في السيد المسيح مثلما يستشعر القوم جميعا، الخطر والرفض لوجود حياة المعلم العظيم، فكانا- على حد رواية"متى"- يقفان نفس الموقف". . . وبذلك أيضا كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه"! !

إنها- على أي حال- صورة من حوادث التاريخ الإنساني المريرة- كما تصورها الأناجيل- تكالبت فيها قوى الشركي تمزق من الأرض قضية الخير قبل أن ينمو ويستقر، على لسان صاحب دعوةٍ يؤسس مبادئها ويجمع الناس عليها من أجل الحق والعدل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت