فهرس الكتاب
وتفقه على عمه شيخ الإسلام موفق الدين، وعرض عليه كتاب"المقنع"وشرحه عليه، وأذن له في إقرائه، وإصلاح ما يرى أنه يحتاج إلى إصلاح فيه، ثم شرحه بعده في عشرة مجلدات، واستمد فيه من"المغني"لعمه.
وأخذ الأصول عن السيف الآمدي، ودرس وأفتى وأقرأ العلم زمانًا طويلًا، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رياسة المذهب في عصره، بل رياسة العلم في زمانه، وكان معظمًا عند الخاص والعام، عظيم الهيبة لدى الملوك وغيرهم، كثير الفضائل والمحاسن، متين الديانة والورع.
وقد جمع المحدث إسماعيل بن الخباز ترجمته وأخباره في مائة وخمسين جزءًا، وبالغ، وكان كلما أثنى عليه بنعت من الفقه أو الزهد أو التواضع سرد ما ورد، ذلك بأسانيده الطويلة الثقيلة، ثم تحول إلى ذكر شيوخه فترجمهم، ثم إلى ذكر الإمام أحمد فأورد سيرته ومحنته كلها، كما أوردها ابن الجوزي، ثم أورد السيرة النبوية لكونه من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ الذهبي: وما رأيت سيرة عالم أطول منها أبدًا.
وذكر فخر الدين البعلبكي: أنه منذ عرفه ما رآه غضب، وعرفه خمسين سنة.
وقد ولي القضاء مدة تزيد على اثنتي عشرة سنة، على كره منه، ولم يتناول معلومًا، ثم عزل نفسه في آخر عمره وبقي قضاء الحنابلة شاغرًا مدة حتى ولي ولده نجم الدين في آخر حياة الشيخ، وكان الشيخ نزل في ولايته للحكم على بهيمة إلى البلد.
ولي الشيخ قضاء القضاة في جمادى الأولى ستة أربع وستين، على كره منه، وكان الشيخ رحمه الله رحمة على المسلمين. ولولاه لراحت أملاك الناس لما تعرض إليها السلطان، فقام فيها قيام المؤمنين، وأثبتها لهم، وعاداه جماعة الحكام وعملوا في حقه المجهود وتحدثوا فيه بما لا يليق، ونصره الله عليهم بحسن نيته، ويكفيه هذا عند الله.