فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 648

بلسانه ويقول: لا يسعني كتم العلم، ثم تكلموا معه في مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرًا، حتى مات، رحمه الله.

وقد بقي مدة في القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل حتى إنه قال: قد فتح الله علي بهذا الحصن هذه المرة معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء ماث كثير من أهل العلم يتمنونها، ثم إنه منع من الكتابة ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والتذكر.

وقال مرة: ما يصنع أعدائي بي، إن بستاني في صدري أين رحت فهو معي، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} (1) .

وقد حدث الشيخ كثيرًا، وسمع منه خلق من الحفاظ وغيرهم، من الحديث ومن تصانيفه. وبالجملة فكان الشيخ لمزيد علمه لا تقوى على مناظرته الخصوم، ولشدة لهجته لا يثبت على عشرته أحد إلا قليلًا، ولم يل الشيخ شيئًا من الولايات مع تأهله لذلك وتمكنه، بل كان متقللًا زاهدًا قانعًا باليسير إلى آخر حياته.

وكان دخوله القلعة في شعبان، سنة ست وعشرين، وتوفي بها ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بعد أن مرض بضعة وعشرين يومًا (2) .

ـــــــــــــ

(1) سورة الحديد، الآية 13.

(2) ترجمته في: الذيل 2: 387 - 408، والمختصر 60 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت