فهرس الكتاب
اشتبه الأمر على بعض الذين تناولوا هذا الموضوع فتوهموا أن بين العلماء اختلافًا في تفسير معنى المحكم والمتشابه المذكور في الآية.. حتى إن بعضهم أوصل وجوه الاختلاف إلى عشرين قولًا تقريبًا! ثم راح يرجح بينها. بل أبطل بعضها!! كالقول بأن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ. وحجته أن الآيات الناسخة لا تتجاوز بضع آيات، والمنسوخة بقدرها. بينما آية (آل عمران) تقسم القرآن كله بين المحكم والمتشابه. واستبعد جدًا أن يصح هذا عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما (1) . مع أن هذا له أصل في القرآن في قوله سبحانه: { فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (الحج: 52) .
طريقة الأقدمين في التفسير
ولإزالة الوهم السابق أقول:
إن أساس هذا القول هو الذهول عن استحضار طريقة الأقدمين في التفسير. وهي تفسير اللفظ بأحد أفراده أو معانيه. أو يكون تفسيرهم للفظ على سبيل التمثيل له بأحد المعاني التي ينطبق عليها المعنى الكلي للفظ . كما فسروا قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (البقرة:201) فقالوا: إن حسنة الدنيا هي الزوجة الصالحة. وقال بعضهم: هي الرزق الحلال الواسع. وقال آخرون: هي الولد الصالح… إلخ. ولا شك أن كل قول على حدة هو بعض المعنى، أو أحد أفراده. فإذا لم يستحضر المتكلم هذا الأمر جعل من تعدد هذه الأقوال اختلافًا في تفسير المعنى! فيقول: قال بعضهم كذا، وقال الآخرون كذا… مع أن المعنى الكلي واحد، وهذه أمثلة له أو جزئيات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية [مقدمة في التفسير/ 5-12] :
(1) انظر مثلًا: نظرات في تفسير آيات من القرآن الكريم - الدكتور محسن عبد الحميد.