الصفحة 44 من 461

(الخلاف بين السلف في التفسير قليل.. وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد. وذلك صنفان: أحدهما أن يعبر كل منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى) ، وضرب شيخ الإسلام لذلك عدة أمثلة منها السؤال عن الذكر في قوله تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } (طه:124) . وبعد كلام طويل قال: (والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل، أو هو ذكر العبد له. فسواء قيل ذكري كتابي أو كلامي أو هداي أو نحو ذلك كان المسمى واحدًا) ثم قال: (الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل.. لا على سبيل الحد المطابق للمحدود.. مثال ذلك ما نقل في قوله: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } (فاطر:32) فمعلوم أن الظالم لنفسه المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات. والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات. والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات). ثم ذكر الشيخ أن كلًا من المفسرين يذكر هذا المعنى الكلي في نوع من أنواع -أو جزء من أجزاء- الطاعات. فيفسر بعضهم السابق بالذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد بالذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. بينما يفسر البعض السابق بالمتصدق مع أداء الزكاة المفروضة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة، والظالم لنفسه آكل الربا. ثم قال: (وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات، هو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف) .

ويقول الشاطبي [الموافقات 4/ 140-144] :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت