إلى أن هداني الله تعالى بفضله ونعمته إلى هذا المفتاح القرآني العظيم، فعرفت أن من القرآن متشابهًا لا يُعتمد حتى يفسر في ضوء المحكم منه. وأنه ما من آية في الأصول مشتبهة إلا ولها ما يبينها يقينًا من صريح المحكم. فليس القرآن كله حمال أوجه. وأن ما كان منه كذلك لا نتبعه حتى نرجع به إلى ما يزيل احتماله واشتباهه من القرآن نفسه. وأن أهل الباطل لا يمكن أن يكون لأصولهم من نصيب في محكمه. كما أن أهل الحق لا بد أن تكون أصولهم قائمة على محكم القرآن.
وهنا توضح لي الطريق تمامًا: فإذا كنت أعتقد أني على حق فلا بد أن تكون الأصول التي أقمت عليها معتقدي وديني مبنية على محكم القرآن. كما أنه إذا كنت أعتقد أن الشيعة على باطل فهذا يستلزم أن أستقرئ أصولهم فلا أجد لهم عليها من المحكم شيئًا. وهكذا كان. وهذا الكتاب شاهد عدل على ما أقول.
هذا فيما يخص الأصول. أما الفروع فلها شأن آخر: إذ الاختلاف في الفروع في غالبه سائغ ومشروع، ما دامت أدلته ظنية خاضعة للاجتهاد. والمخطئ فيه مأجور أجرًا واحدًا، والمصيب أجرين: الأول على نيته واجتهاده في طلب الحق، والثاني عليه مع إصابته.
ومثل هذه الأمور لا تنقسم الأُمة بموجَبها طوائف، وإنما مذاهب فقهية معتبرة لأن الأصول واحدة، ما لم يقع تعصب وخصومة وافتراق.
فللمسلم أن يكون في الفروع على أي مذهب معتبر بشرط صحة النقل عن الإمام المقلَّد، وعدم مخالفته للكتاب والسنة، وبشرط عدم التعصب للرأي وإنكار الرأي المقابل أو المعاكس. وعلى هذا إجماع العلماء. ولهم في ذلك قاعدة أصولية تقول: لا إنكار في
المسائل الخلافية الفروعية.