كلمة الحق ،ولم يرتض أن يقبع في بيته - كما يفعل الكثيرون - بل هرول نحو قومه ، ليقوم بواجبه في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر." [1] "
"وهكذا نرى الرجل الصالح الذي استقر الإيمان في قلبه ومشاعره ووجدانه يدافع عن الحق الذي آمن به دفاعا قويا دون أن يخشى أحدا إلا اللّه ، ويدعو قومه بشتى الأساليب إلى اتباعه ويقيم لهم ألوانا من الأدلة على صحة ما يدعو إليه."
ثم يصارحهم في النهاية ، ويشهدهم على هذه المصارحة ، بأنه قد آمن بما جاء به الرسل إيمانا لا يقبل الشك أو التردد ، ولا يثنيه عنه وعد أو وعيد أو إيذاء أو قتل.
ورحم اللّه صاحب الكشاف ، فقد أجاد في تصوير هذه المعاني فقال ما ملخصه: قوله: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ كلمة جامعة في الاستجابة لدعوة الرسل ، أى: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ، وتربحون صحة دينكم ، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة.
ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه ، وهو يريد مناصحتهم ، وليتلطف بهم ويداريهم .. فقال: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
ثم قال: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ يريد فاسمعوا قولي وأطيعونى ، فقد نهيتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه ، أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم ..
ولكن هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه ، لم تصادف أذنا واعية بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه ، فقد قال - تعالى - بعد أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ....
أى: قالت الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة: ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الطيب.
قال الآلوسى: قوله: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ .. استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك.
(1) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم لطنطاوي - (12 / 23)