فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 335

فمن شأن القرآن أن يقيم المتصلين به على طريق الحق ، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويؤمنون باللّه! إن الذي يستقيم على دعوة القرآن ، لهو إنسان سليم في كيانه ، معافى في نفسه ، ثم هو مع ذلك قادر على أن يحمل الهدى إلى غيره ، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويكون خليفة اللّه في الأرض ، وخليفة الرسول في الدعوة إلى اللّه ، وهداية الناس إليه.

ولكن صحبة المسلمين للقرآن لم تكن قائمة على العدل والإحسان في جميع الأحوال .. فكثيرا ما أساء المسلمون تلك الصحبة ، وأوسعوها جفاء وعقوقا ، حيث يعيش القرآن فيهم غريبا .. لا يقفون عنده ، ولا يلتفتون إليه ، ولا يتدبرون آياته ، ولا يتلقون بعض ما فيه من خير وهدى! والجفوة التي بين المسلمين وبين القرآن الكريم جفوة غليظة مستحكمة ، قد تداعت عليها دواع كثيرة ، أحكمت بنيانها ، وثبتت دعائمها ، فلم يعد بين المسلمين وبين القرآن طريق يصلهم به إلا تلك الطرق الدارسة الطامسة ، التي تتصاعد منها أتربة وأدخنة ، تعمّى على الناظر منهم في كتاب اللّه ، وجوه الحق والخير التي فيه.

وإن كل حظ المسلمين اليوم من القرآن هو حظهم من مخلّفات الآباء والأجداد ، مما تضمه المتاحف ودور الآثار ، يزورونها لماما ، ويطرقونها حينا بعد حين .. قد تثير فيهم تلك الزّورة نشوة عارضة ، أو تبعث فيهم عزّة كاذبة ، ينفضونها عن نفوسهم قبل أن يجاوزوا المزارة ، كما ينفضون ما قد يكون علق على ثيابهم من التراب ، وهم يجوسون خلال الديار! فنحن نلمّ بالقرآن إلماما ، ونلقاه حينا بعد حين ، وقد نذكر به في تلك اللقاءات ، وهذه الإلمامات ، ما نذكر من مواعظ وعظات ، ثم لا نلبث حتى ننخلع عن هذه المشاعر قبل أن نضع المصحف من أيدينا ، لنلقى الحياة ونختلط بها ، كما نحن ، على الوجه الذي كنا نصحبها به ، ونعيش معها عليه! فما يحدّث به القرآن شىء ، وحياتنا التي نحياها ونتقلب فيها شىء آخر ، بعيد كل البعد عن القرآن ، وما يحدثنا به القرآن!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت