فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 335

إن المسلم ـ منا ـ يعيش في هذه الحياة بشخصية « مزدوجة » ويلقاها بنفس منقسمة على نفسها ، ولهذا كان مسيره فيها مضطربا مختلجا ، تتماوج أبعاضه بين مشرق ومغرب ، وشمال وجنوب ، فهو يتحرك في مكانه ، حركة متماوجة مضطربة ، فلا يتقدم خطوة إلى الأمام ، على كثرة هذا الضرب المضطرب في الأرض! والسبب في هذا يرجع ـ في تقديرنا ـ إلى « تميّع » العقيدة الدينية في نفس المسلم ، وإلى اختلاط كثير من مسائلها في تفكيره ، وعدم وضوح المعالم والحدود لكثير من أمور الدين عنده! وذلك ـ في تقديرنا أيضا ـ يرجع إلى أمور كثيرة .. منها:

أولا: هذه الخلافات السياسية والمذهبية التي وقعت بين المسلمين منذ أعقاب الخلافة الراشدة ، فانعكست آثار هذه الخلافات السياسية والمذهبية على المسائل الدينية ، فجاءت تلك المسائل على وجوه كثيرة متناقضة متضاربة ، يلطم بعضها وجه بعض ، بحجج تسندها آية من كتاب اللّه ، متأولة على غير وجهها ، أو حديث ضعيف ، أو أثر مكذوب .. فتجد كل هذه الأقوال منطقا يقيمها ، أو ذكاء يدارى عوارها ، بما دخل المسلمين من مذاهب الجدل والسفسطة ، منذ قيام الدولة العباسية ، واتصال العرب والمسلمين بالثقافات والديانات الأخرى ، التي كانت تصبّ روافدها المتدفقة في كيان الأمة العربية ، وفى محيط العقل الإسلامى.

وكان من هذا أن تشعبت مسائل الدين بين الطوائف المختلفة ، اختلافا دينيا سياسيا ، والتي انقسمت كل طائفة منها على نفسها ، فكانت فرقا تبلغ المئات عدا .. وقد ذهبت كل فرقة في الدين مذهبا ، وأقامت لمذهبها حجته من كتاب اللّه ، وسنة رسول اللّه .. وهذا هو أفدح ما في الأمر ، وأشنع ما في هذا الخلاف!

فالمسألة الواحدة من مسائل الدين ، تأخذ دورة طويلة لا تكاد تنتهى أبدا ، فلا يكاد المسلم يمسك منها بطرف حتى تجره جرا إلى مسائل كثيرة ، تتولد منها وتتفرع ، وتبيض وتفرخ ، وإذا هو أمام عشرات من الصور « المهزوزة » للأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت