فقولة أولئك المحجوبين عن إدراك حكمة اللّه في الحياة: «أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ؟» .. وتطاولهم على الداعين إلى الإنفاق بقولهم: «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. إن هو إلا الضلال المبين الحقيقي عن إدراك طبيعة سنن اللّه ، وإدراك حركة الحياة ، وضخامة هذه الحركة ، وعظمة الغاية التي تتنوع من أجلها المواهب والاستعدادات ، وتتوزع بسببها الأموال والأرزاق.
والإسلام يضع النظام الذي يضمن الفرص العادلة لكل فرد ، ثم يدع النشاط الإنساني المتنوع اللازم للخلافة في الأرض يجري مجراه النظيف. ثم يعالج الآثار السيئة بوسائله الواقية. [1]
ما ترشد إليه الآيات
دلت الآيات على أمور ثلاثة هي:
أولا - إن المشركين قوم تمادوا في الغي والضلال والعناد والكبر ، ولم يتأملوا في أحداث الماضي ، ووقائع الزمان ، وأحوال الأمم التي أهلكهم اللّه بتكذيبهم رسلهم ، ولم ينظروا في مستقبل الحياة الآخرة ، فتراهم إذا قيل لهم: اتقوا اللّه ، لا يتقون.
ثانيا - وهم أيضا شأنهم وديدنهم الإعراض عن آيات اللّه ، والتكذيب لها ، وعدم الانتفاع بها ، لتركهم النظر المؤدي إلى الإيمان باللّه وتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
ثالثا - كما أنهم أخلّوا بتعظيم الخالق ، حرموا العطف والشفقة على الإنسانية ، وانعدمت عندهم عاطفة الرحمة بالمخلوقات ، إذ قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم اللّه ، فبخلوا وتهكموا ، وهو شأن البخلاء في كل عصر،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ وبَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَفَاجِرٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَابِدٍ بِخَيْلٍ، وَأَيُّ دَاءٍ أَوْدَى مِنَ الْبُخْلِ" [2]
ــــــــــــ
(1) - في ظلال القرآن ، ج 5 ، ص: 2970
(2) - شعب الإيمان - (13 / 293) (10356 ) وسنن الترمذى (2088 ) ضعيف