قال النووي رحمه الله تعالى: (( إذا أراد السفر من المدينة والرجوع إلى وطنه أو غيره، استحب له أن يودع المسجد بركعتين ويدعو بما أحب, ويأتي القبر ويعيد السلام والدعاء المذكورين في ابتداء الزيارة, ويقول: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك صلى اله عليه وسلم, وسهِّل لي العود إلى الحرمين سبيلًا سهلة, والعفو والعافية في الآخرة والدنيا, وردنا إليه سالمين غانمين ) ) [1] .
فضل التربة التي ضمت سيدنا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
قال السبكي رحمه الله تعالى في فتاويه [2] :
إن المسجد النبوي وإن فضلت الصلاة فيه فالحجرة لها فضل آخر مختص بها يزيد شرفها به فحكم أحدهما غير حكم الآخر, والحجرة الشريفة هي مكان الدفن الشريف في بيت عائشة رضي الله عنها وما حوله, ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم وسع وأدخلت حجر نسائه التسع فيه, وحجرة حفصة هي الموضع الذي يقف فيه الناس اليوم للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مجاورة لحجرة عائشة التي دفن فيها صلى الله عليه وسلم في بيتها, وتلك الحجر كلها دخلت في المسجد.
أما المدفن الشريف فلا يشمله حكم المسجد بل هو أشرف من المسجد وأشرف من مسجد مكة وأشرف من كل البقاع كما حكى القاضي عياض الإجماع على ذلك، أن الموضع الذي ضم أعضاء النبي صلى الله عليه وسلم لا خلاف في كونه أفضل وأنه مستثنى من قول الشافعية والحنفية والحنابلة وغيرهم: أن مكة أفضل من المدينة ونظم بعضهم في ذلك:
جزَمَ الْجَمِيعُ بِأَنَّ خَيْرَ الأَرْضِ مَا ... قَدْ أَحَاطَ ذَاتَ الْمُصْطَفَى وَحَوَاهَا
وَنَعَمْ لَقَدْ صَدَقُوا بِسَاكِنِهَا عَلَتْ ... كَالنَّفْسِ حِينَ زَكَتْ زَكَا مَاوَاهَا
هذا وتفضيل ما ضم أعضاءه صلى الله عليه وسلم صار لاعتبارين:
(1) المجموع 8/ 261.
حكاية: روى ابن عساكر في تاريخه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لما دخل عمر بن الخطاب الجابية سأله بلال أن يقدم الشام ففعل ذلك ... ثم إن بلالا رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟
فانتبه حزينا وجلا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يبكي عنده، ويمرغ وجهه عليه، وأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع آذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر، ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، زاد تعاجيجها، فلما أن قال: أشهد أن محمدا رسول الله، خرج العواتق من خدورهن فقالوا: أبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رئي يوم أكثر باكيا ولا باكية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم. تاريخ مدينة دمشق ج7/ص137.
(2) فتاوى السبكي 1/ 278.