أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92] ، وقوله جل من قائل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56 - 58] .
فإذا قام المسلم بالحج، واستوفى فيه أركانه وشروطه وواجباته وسننه وآدابه كما هو مطلوب منه، وكان حجه بمال حلال لا شبهة فيه، ولم يكن في ذمته لأحد حق ولا مطلب من بني البشر، ولم يخاصم في حجه أحدا، وأحرم لله تعالى متقشفا ومبتعدا عن الدنيا وملذاتها ومتعها، ومنقطعا لربه، ومتبتلا إليه، عاد من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) )رواه مسلم والترمذي وأحمد بألفاظ متقاربة.
وفي الحج دروس في التقشف والمساواة بين الناس جميعا، كبيرهم وصغيرهم، وغنيهم وفقيرهم، ورئيسهم ومرؤوسهم، فالكل بلباس واحد لا زينة فيه، هو لباس الإحرام، لا تحية لهم عند اللقاء مع بعضهم إلا قولهم: (لبيك اللهم لبيك) ، ومن السنة أن يرفع الحاج بها صوته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَكَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ ) )رواه الترمذي وغيره، وعبادتهم الصلاة لله تعالى، والطواف حول بيته العتيق، فالصلاة في بيت الله تعالى الحرام تعدل مئة ألف صلاة فيما سواه، قال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ) )رواه ابن ماجه وغيره، والطواف حول الكعبة المشرفة أفضل عند الله تعالى من الصلاة، وتحية المسجد الحرام الطواف حول البيت، ولهذا فإنك تجد الحجاج والعمار لا شغل لهم إلا الصلاة في البيت الحرام، والطواف حول البيت العتيق، لا يأبهون لطعام إلا الضروري، ولا لمتعة من متع الدنيا إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه، فتصفو نفوسهم، ويرتاح قلبهم، ويزيد إيمانهم بربهم، فيعلو مقامهم عنده سبحانه، ويعودون إلى أهلهم بنفس مطمئنة صافيه لا تستشعر في دنياها غير مرضاة الله تعالى وعبادته.
وهذه هي المنافع الحقة التي أشار إليها ربنا جل وعلا في قوله سبحانه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] .
والإحرام هو أول فروض الحج، وهو ركن عند بعض الفقهاء، وشرط عند البعض الآخر، ولا يصح الحج إلا به باتفاق الفقهاء، سواء عد ركنا أو شرطا، وللإحرام مواقيت زمانية ومكانية لا يتم الإحرام إلا بمعرفتها والتزامها، والمواقيت المكانية خمسة بينها النبي صلى الله عليه وسلم في مجموعة من الأحاديث الشريفة، وكلها محيطة بمكة المكرمة، بعضها بعيد عنها أكثر من بعض، وأبعدها عن مكة المكرمة ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، من ذلك ما رواه ابن خزيمة في صحيحه فقال: