الصفحة 89 من 148

أرشدت الآية السابقة إلى أن إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام دعوا الله تعالى أن يظهر لأعينهم أماكن أفعال الحج حتى يرياها، وقد استجاب الله تعالى لهما، قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها، حتى بلغ عرفات، فقال: يا إبراهيم أَعرفتَ ما أريتك من المناسك؟ قال: نعم، فسميت عرفات، فلما كان يوم النحر، أراد أن يزور البيت، عرض له إبليس فسدَّ عليه الطريق، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات، ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع، كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي الحصيات [1] .

وتقدم أن ذكرت أن من تعظيم الله تعالى للكعبة المشرفة أن أحاطها بمواقيت مكانية، وأصغرها المسجد الحرام، ثم الحرم، المحاط بالأعلام، ثم مواقيت الإحرام للحج أو العمرة (ذو الحليفة، والجحفة، وذات عرق، وقرن المنازل، ويلملم) ومواقيت ما يحاذي المواقيت السابقة، ويلحق بهذه الأماكن مواقيت أداء مناسك الحج أو العمرة وهي المسعى بين الصفا والمروة، وعرفات، ومزدلفة، ومنى.

وجميع الأماكن السابقة مواطن لأداء الحج أو العمرة، ولكل نسك من مناسك الحج أو العمرة له مكانه المخصص له، لا يجوز تعديه إلى مكان آخر، ويجب على الحاج الانتباه إلى تلك الأماكن فيوقع النسك في مكانه المخصص له، فمن وقف خارج عرفات لم يصح حجه، ومن بات في غير منى أو مزدلفة لم يصح مبيته، ومن طاف في غير المسجد الحرام لم يصح طواف، ومن سعى في غير المسعى لم يصح سعيه، ومن رمى الحصاة خارج حوض الجمرة لم يصح رميه، وهكذا.

وأفضل ما رأيت ممن فصل في بيان حدود المشاعر محمد بن عبد الله الزركشي رحمه الله تعالى في كتابه"إعلام الساجد بأحكام المساجد" [2] ، وأثناء بيانه لحدود المشاعر بين الأماكن التي يصح الوقوف فيها والتي لا يصح الوقوف فيها، والآن هذه الحدود معروفة ومعلمة وعلى الحاج الانتباه إلى اللوحات الإرشادية كي يقف في المكان الصحيح.

وفي العناوين الآتية سأتحدث عن أهم الأحكام المكانية التي تخص الحرم والمسجد الحرام والمسعى.

(1) التفسير الكبير ج4/ص57، كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج27/ص368.

(2) راجع ص63 فما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت