فهرس الكتاب
ثم ما إن عاد الملك محمد الخامس إلى ملك المغرب عام (1375/ 1955) محملا بمعاهدة"إكس ليبان"ووثيقة الاستقلال، حتى اضطر الشيخ عبد الحي الكتاني إلى الهجرة لفرنسا مستوطنا مدينة نيس، نظرا لانتشار ظاهرة الثأر في البلاد وانعدام الأمان، إلى أن توفي بها.
لقد كان الشيخ عبد الحي الكتاني - بالرغم من اختلاف المواقف حوله من الناحية السياسية - نادرة التاريخ المغربي؛ فقد كان موسوعة علمية، ومكتبة متنقلة، ترك ما يربو عن خمسمائة مؤلف في مختلف مجالات المعرفة، ومائة ألف رسالة إلى مختلف الآفاق، كما كان فقيها مجتهدا، ومحدثا حافظا، وصاحب فكر حر بثه في مجتمعه والتقطه تلاميذه المعدودون بالآلاف.
كما يعود للشيخ عبد الحي الفضل الأول في إحياء التاريخ المغربي، والحفاظ على عشرات المكتبات وآلاف المؤلفات التي كادت تتلف لولا بذله من أجلها النفيس، وحفظها في مكتبته التي فتحها لعموم الباحثين في حياته. ويعد من أجل ذلك رائد التنقيب في المخطوطات، ومؤسس علم المكتبات في المغرب.
أما علم الإسناد؛ فيعد محييه وباعث نهضته في العالم الإسلامي في القرن الأخير، شهد له بذلك علماء المشرق والمغرب، خاصة ما أودعه في كتابه"فهرس الفهارس والأثبات".
وكان شيخ طريقة مرموقة، له كلام عال بلغة خاصة الخاصة، ضمنه كتابه:"وسيلة الولد الملهوف إلى جده النبي الرحيم العطوف". وكان رجل سياسة، سبر أغوارها، واطلع على التاريخ الدبلوماسي الأوروبي والعالمي والإسلامي، وكاتب الملوك والزعماء المسلمين والأجانب وكاتبوه، وغامر في ذلك السبيل مغامرات قل من تجرأ عليها. إضافة إلى ثروته الهائلة ونفوذه الكبير، وتلامذته الذين يقدرون بعشرات، بل مئات الألوف، من إندونيسيا إلى المغرب، ومن أوروبا إلى تخوم إفريقيا. بحيث لا يعرف عالم من علماء المغرب على دور تاريخه تيسر له من ذلك ما تيسر للشيخ عبد الحي الكتاني.