فهرس الكتاب
وهو أنه إذا حاسب نفسه فرآها قد قارفت معصية فينبغي أن يعاقبها بالعقوبات التي مضت، وإن رآها تتوانى بحكم الكسل في شيء من الفضائل أو ورد من الأوراد فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ويلزمها فنونًا من الوظائف جبرًا لما فات منه وتداركًا لما فرط، فهكذا كان يعمل عمال الله تعالى، فقد عاقب عمر بن الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدق بأرض كانت له قيمتها مائتا ألف درهم، وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة، وأخر ليلة صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين، كل ذلك مرابطة للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها.
فإن قلت: إن كانت نفسي لا تطاوعني على المجاهدة والمواظبة على الأوراد فما سبيل معالجتها؟ فأقول: سبيلك في ذلك أن تسمعها ما ورد في الأخبار من فضل المجتهدين (1) . ومن أنفع أسباب العلاج أن تطلب صحبة عبدٍ من عباد الله يجتهد في العبادة فتلاحظ أقواله وتقتدي به، وكان بعضهم يقول: كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع وإلى اجتهاده فعملت على ذلك أسبوعًا.
وقال أبو الدرداء: لولا ثلاث ما أحببت العيش يومًا واحدًا: الظمأ لله بالهواجر، والسجود لله في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب التمر. وكانت ابنة الربيع بن خيثم تقول له: يا أبت ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ فيقول يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات. ولما رأت أم الربيع ما يلقى الربيع من البكاء والسهر نادته يا بني لعلك قتلت قتيلًا! قال نعم يا أماه قالت: فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك؟ فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك، فيقول يا أماه هي نفسي.
توبيخ النفس ومعاتبتها