الصفحة 110 من 2673

اعلم أنّ كل عضو من أعضاء البدن خُلق لفعلٍ خاص به، وإنما مرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خُلقَ له حتى لا يصدر منه أصلا أو يصدر منه مع نوعٍ من الاضطراب. فمرض اليد أن يتعذر عليها البطشُ. ومرض العين أن يتعذر عليها الإبصار. وكذلك مرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خُلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة وحب الله تعالى وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلك على كل شهوة سواه، والاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه. قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي} [الذاريات: 56] ففي كل عضو فائدة، وفائدة القلب: الحكمة والمعرفة. وهي خاصية النفس التي للآدمي، وبها يتميز عن البهائم، فإنه لم يتميز عنها بالقوة على الأكل والوِقاع والإِبصار أو غيرها، بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه. وأصلُ الأشياء ومُوجِدُها ومخترعها هو الله عز وجل الذي جعلها أشياء. فلو عرف كل شيء ولم يعرف الله عز وجل فكأنه لم يعرف شيئًا. وعلامة المعرفة: المحبة، فمن عرف الله تعالى أحبه، وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} إلى قوله تعالى: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [ التوبة: 24] فمن عنده شيءٌ أحب إليه من الله فقلبه مريض، كما أنّ معدة صار الطينُ أحب إليها من الخبز والماء أو سقطت شهوتها عن الخبز والماء فهي مريضة. فهذه علامات المرض وبهذا يعرف أنّ القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله.

بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت