الصفحة 130 من 2673

اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات. فأرفع درجات السخاء الإِيثار، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة. وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه أو لغير محتاج، والبذل مع الحاجة أشدّ. وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإِنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن، ولو وجدها مجانًا لأكلها.

الفقرة الثامنة: في الغرور

أول آثار الغرور السير وراء الأوهام، وقضاء العمر فيها، ولأن أكثر الناس مبتلون بذلك فإنهم كثيرًا ما يسيرون وراء السّراب ولا يشعرون، قال ابن عطاء: (ما قادك شيء مثل الوهم) وما ذلك إلا أثر عن الغرور، فقد يكون طريق أقرب من طريق إلى هدف، وقد يكون طريق أهدى من طريق، ولكن الغرور يجعل صاحبه بمنأى عن ذلك كلّه.

ومن آثار الغرور أن يرفض المغرور النصيحة وان يبقى حيث هو في سلّم الغلط او في سلّم الحياة لا ارتقاء ولا نهوض مع التلبّس بالغلط.

ولنتصوّر حياة بشرية عمّ فيها داء الغرور كيف تكون؟

بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته

اعلم أن قوله تعالى: {فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] وقوله تعالى: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ} [الحديد: 14] كاف في ذم الغرور وكل ما ورد في فضل العلم وذمّ الجهل فهو دليل على ذم الغرور، لأن الغرور عبارة عن بعض أنواع الجهل، إذ الجهل هو أن يعتقد الشيء ويراه على خلاف ما هو به، والغرور هو جهل إلا أن كل جهل ليس بغرور، بل يستدعي الغرور مغرورًا فيه مخصوصًا ومغرورًا به وهو الذي يغره.

أنواع المغترين وبعض فرقهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت