فهرس الكتاب
روى أبو هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله مرني بعمل وأقلل، قال:"لا تغضب"ثم أعاد عليه فقال:"لا تغضب" [أخرجه البخاري] قال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما تعدون الصرعة فيكم؟"قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال:"ليس ذلك، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب" [أخرجه مسلم] وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". [متفق عليه] .
بيان حقيقة الغضب
اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معّرضًا للفساد والموت، بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه، أنعم عليه بما يحميه من الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه.
أما السبب الداخلي: فهو أنه ركبه فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء، ووكل قوى في داخله لجبر ما انكسر وسدِّ ما انثلم ليكون ذلك حافظًا له من الهلاك بهذا السبب.
وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإِنسان: فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور منه فتدفع المهلكات عنه، فخلق الله طبيعة الغضب، وغرزها في الإِنسان وعجنها بطينته. فمهما صدّ عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثورانا يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعمال البدن، كما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها.
وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها. والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به. ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث من التفريط والإِفراط والاعتدال.