فهرس الكتاب
الوظيفة الثالثة: أن لا يدع من نصح المتعلم شيئًا وذلك كأن يمنعه من التصدّي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خَفيّ قبل الفراغ من الجليِّ ثم ينبهه على أن الغرض بطلب العلوم القرب إلى الله تعالى دون الرياسة والمباهاة والمنافسة، ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده.
الوظيفة الرابعة: وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح. وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإِصرار.
الوظيفة الخامسة: أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبِّحَ في نفس المتعلم العلوم التي وراءه.
الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله، اقتداء في ذلك بسيد البشر صلى الله عليه وسلم. فليبثّ إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها، وقال ابن مسعود كما أخرج مسلم:"ما أحدٌ يحدثُ قومًا بحديثٍ لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على بعضهم".
الوظيفة السابعة: أن المتعلم القاصر ينبغي أن يُلقى إليه الجلي اللائق به ولا يُذكر له أنّ وراء هذا تدقيقًا وهو يدخره عنه فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي ويشوش عليه قلبه ويوهم إليه البخل به عنه إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق. فما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله.
الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم عاملًا بعلمه فلا يكذِّبُ قوله فعله، لأنّ العلم يُدركُ بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر. فإذا خالف العملُ العلمَ منع الرشد، وكل من تناول شيئًا وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نُهوا عنه فيقولون: لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثرُ به.