الصفحة 79 من 2673

الثالث: كف السمع عن الإِصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإِصغاء إليه ولذلك سوّى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] وقال عز وجل: {لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ} [المائدة: 63] فالسكوت على الغيبة حرام وقال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140] .

الرابع: كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره، وكف البطن عن الشبهات عند الإِفطار. فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام، فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرًا ويهدم مصرًا فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه، فالصوم لتقليله. وتارك الاستكثار من الدواء خوفًا من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيهًا. والحرام سم مهلك للدين. والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره، وقصد الصوم تقليله. وقد قال صلى الله عليه وسلم:"كمْ من صائمٍ ليس له من صومه إلا الجوع والعطش". [أخرجه النسائي وابن ماجه] فقيل هو الذي يفطر على الحرام، وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام، وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام.

الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإِفطار بحيث يمتلئ جوفه فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مُلئ من حلال. وكيف يستفاد من الصوم قهر عدّو الله وكسر الشهوة إِذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام؟ حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر. ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت