الصفحة 26 من 37

تقول ؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل . قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم ، قال إني أنهاك عن ذلك [1] .

وحينئذ تضعضعت عزائم المشركين ودب فيهم الرعب فقرروا مواصلة السير إلى مكة ، ومر ركب من بني عبد القيس متجهًا إلى المدينة فوجد أبو سفيان الفرصة لتثبيط المسلمين عن ملاحقتهم ، فقال للركب: أين تريدون ؟ ، قالوا: المدينة ، قال: ولم ؟ ، قالوا: نريد الميرة ، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتموها ؟ ، قالوا: نعم ، قال: فإذا وافيتموه فأبلغوه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ؛ فمرَّ الركب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بالذي قال أبو سفيان ، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل [2] .

وصرف الله المشركين عن العودة إلى المدينة بفضل هذه السياسة الحكيمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمضوا إلى مكة . وفي حمراء الأسد أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا عزة الجمحي الشاعر ، وكان ممن أسر ببدر ومنَّ عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفقره وكثرة عياله على ألا يظاهر عليه أحدًا ، لكنه غدر ، فلما أخذه قال: يامحمد أقلني وامنن عليَّ فقال - صلى الله عليه وسلم -: والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدًا مرتين ، اضرب عنقه يا زبير [3] .

كما أخذ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص ، وكان لجأ إلى ابن عمه عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، فاستأمن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتله فأقام بعد ثلاث وتوارى يتجسس على المسلمين ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة وعمار بن ياسر فتعقباه فقتلاه [4] .

وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمراء الأسد الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء [5] ثم رجع إلى المدينة ، وهي تفور بالنفاق فور المرجل ، فقد أظهر المنافقون نفاقهم

(1) سيرة ابن هشام 3/883 . وتاريخ الطبري 2/535 .

(2) سيرة ابن هشام 3/885 . وأصل هذا في البخاري 6/48 كتاب التفسير - سورة آل عمران .

(3) سيرة ابن هشام 3/885 .

(4) سيرة ابن هشام 3/886 .

(5) تاريخ الطبري 2/535 . وعيون الأثر 2/37 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت