وهو يقول: أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا أيها الناس ؟ وتبعه ثلاثمئة من قومه من أهل النفاق والريب [1] ، فجاءهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: يا قوم أُذَكِّرُكم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر مِنْ عَدُوِّهم ، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ، ولكنا لا نرى أن يكون قتال ، فلما استعصوا عليه وأبوا إلاَّ الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم نبيه - صلى الله عليه وسلم - [2] ، وأحدث نكوص المنافقين بلبلة في صفوف المسلمين ، وهمت بنو حارثة من الأوس ، و بنو سلمة من الخزرج بالانسحاب ، ولكن الله ثبتهما [3] ، ودعا بعض الصحابة لقِتال هؤلاء المنافقين الذين انخذلوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . بينما ارتأت طائفة أخرى عدم مقاتلتهم ، فأنزل الله فيهما: { فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } [4] [5] .
وترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنافقين الناكصين ، وسار بمن بقي معه من المؤمنين وهم سبعمائة ، حتى إذا بلغ أطم الشيخين [6] عسكر عنده [7] ، ثم استعرض الجيش ، فرد الصغار الذين لا يستطيعون القتال وكانوا سبعة عشر [8] لا يتجاوز عمر الواحد منهم أربعة عشر عامًا ، فيهم عبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ،
(1) انظر: سيرة ابن هشام3/841 . وطبقات ابن سعد 2/39 . وسنن البيهقي 9/31 . ويذكر البعض أنه انخذل بأحد ، والصواب الأول . انظر شرح المواهب للزرقاني 2/27 .
(2) انظر سيرة ابن هشام 3/842 . وعيون الأثر ص407-408 . وتاريخ الطبري 2/504 .
(3) انظر تاريخ الطبري2/504 . وأصل الخبر في البخاري 5/123 ، كتاب المغازي ، باب ( إذ همت طائفتان ) .
(4) النساء: 88 .
(5) انظر سبل الهدى والرشاد 4/189 . وأصل الخبر في البخاري 5/122 ، كتاب المغازي ، باب غزوة أحد .
(6) الأطم: حصن مبني من الحجارة ، وقيل: كل بيت مربع مسلح ، انظر لسان العرب مادة أطم .
وأطم الشيخين: من آطام اليهود من أهل الوالج ثم صار لبني حارثة من الأوس ، وقريبًا من موضع الأطم أقيم مسجد الشيخين ، الذي يقال إنه بني في مكان صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولا يزال المسجد قائمًا حتى اليوم على طريق سيد الشهداء قريبًا من مسجد المستراح .
المغانم المطابة 3/882 . وفاء الوفاء 4/350 .
(7) المغازي للواقدي 1/216طبقات ابن سعد 2/39 . وتاريخ الطبري 2/505 . وسبل الهدى 4/187 .
(8) انظر سبل الهدى والرشاد 4/187 .