إنه النبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث الكمال الخُلقي بالذروة التي لا تُنال ، والسمو الذي لا يُسامى ، أوفر الناس عقلًا ، وأسداهم رأيًا ، وأصحُّهم فكرًا ، أسخى القوم يدًا ، وأنداهم راحةً ، وأجودهم نفسًا أجود بالخير من الريح المرسلة ، يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، يبيت على الطوى وقد وُهب المئين ، وجاد بالآلاف ، لا يحبس شيئًا وينادي صاحبه بلال بن رباح:"أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالًا"، أرحب الناس صدرًا ، وأوسعهم حُلُمًا ، يحلم على من جهل عليه ، ولا يزيده جهل الجاهلين إلا أخذًا بالعفو وأمرًا بالمعروف ، يمسك بغُرّة النصر وينادي أسراه في كرمٍ وإباء:"اذهبوا فأنتم الطلقاء"، أعظمُ الناس تواضعًا ، يُخالط الفقير والمسكين ، ويُجالس الشيخ والأرملة ، وتذهب به الجارية إلى أقصى سكك المدينة فيذهب معها ويقضي حاجتها ، ولا يتميز عن أصحابه بمظهر من مظاهر العظمة ولا برسم من رسوم الظهور ، ألين الناس عريكةً وأسهلهم طبعًا ، ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مُحرمًا ، وهو مع هذا أحزمهم عند الواجب وأشدهم مع الحق ، لا يغضب لنفسه ، فإذا انتُهِكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء ، وكأنما يُفقأ في وجهه حَبُّ الرمان من شدة الغضب ، أشجع الناس قلبًا وأقواهم إرادةً ، يتلقى الناس بثباتٍ وصبر ، يخوض الغمار ويُنادي بأعلى صوته:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"، وهو من شجاعة القلب بالمنزلة التي تجعل أصحابه إذا اشتدَّ عليهم البأس يتقون به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن قوة الإرادة بالمنزلة التي لا ينثني معها عن واجب ، ولا يلين في حق ، ولا يتردد ولا يضعف أمام شدّة ، أعفُّ الناس لسانًا ، وأوضحهم بيانًا ، يسوق الألفاظ مُفصّلةً كالدر ، مشرقةً كالنور، طاهرٌ كالفضيلة في أسمى مراتب العفّة وصدق اللهجة ، أعدلهم في الحكومة وأعظمهم إنصافًا في الخصومة يَقِيدُ من نفسه