النظرة للغرب.. النظرة للمستقبل
شيوخ معممون, وطلاب علم, وسفراء معتمدون, وفنانون حالمون, ورجال دولة وعسكر, وأفاقون أحيانا, وأصناف أخرى لا يحصى عددها قامت ومازالت تواصل الرحيل إلى بلاد الغرب الأوربي, الرحيل ليس جديدا, فالبحار التي تفصل بيننا وبين هذا الغرب كانت عائقا ووسيلة للاتصال في الوقت نفسه, كما أن اختلاف الدين والثقافة غذى رغبة الفضول ـ التي هي أم روح الاكتشاف ـ بين الطرفين, ومنذ أن دون ابن فضلان رحلته في بلاد الصقالبة, وقام الوزان بأسفاره العجيبة, لم تتوقف المدونات العربية عن تقديم شهادات الرحالة العرب إلى بلاد الغرب وغيرها من البلاد النائية.
وقد اختلف مفهوم هذا الرحيل من عصر إلى عصر ومن جيل لآخر, فالرحالة العرب الذين ذهبوا مزهوين ومنتصرين أيام غلبة الحضارة العربية والإسلامية, تحولوا إلى مبهورين ومأخوذين بالتقدم الغربي الذي كانت أوربا تعايشه عندما اضمحلت الحضارة العربية وتبددت قوتها. وفي عصر النهضة العربية, أصبح الرحيل إلى الغرب ـ في الجانب الأهم منه ـ رحلة من أجل اكتشاف ثقافة مختلفة وغالبة. ويمكن القول إن الرحيل وفق هذا الوعي قد بدأ مع خروج العالم العربي من ظلمة الليل العثماني, فالصدام الحضاري الذي أحدثه قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر, جعل العرب يكتشفون أنهم ظلوا قرونا طويلة مغمضي الأعين, قانعين بالبقاء تحت ظل الدولة السَنِية التي حكمتهم وعزلتهم وأوهمتهم بأنها الأقوى وربما الأوحد في هذا العالم, ولم يفق العالم العربي من هذا الوهم إلا والاستعمار الغربي يقتحم معاقل بيوتهم, ويغير معالم حياتهم, ويستبدل بأنماط ثقافتهم التقليدية نمطه الأوربي.