فهرس الكتاب
كذلك كانت التجارة من العوامل المهمة الدافعة إلى الرحلة في التراث العربي الإسلامي, إذ كان التاجر العربي المسلم شخصية عالمية يعرفها سكان العالم المتحضّر آنذاك. كما أن تنوع الأقاليم الجغرافية لدار الإسلام جعل في متناول التجار المسلمين منتجات شديدة التنوع تقوم عليها التجارة العالمية. ومن المعلوم أن تجار ذلك الزمان كانوا يقومون برحلاتهم التجارية بأنفسهم من ناحية, كما أنهم كانوا عادة من أبناء النخبة الثقافية في مجتمعاتهم من ناحية أخرى, وقد أدى ذلك - بطبيعة الحال - إلى أن عددًا منهم كانوا من العلماء الذين تركوا لنا نفائس يفخر بها تراث الحضارة العربية الإسلامية, وتقف رحلة التاجر سليمان السيرافي, فوق مياه المحيط الهندي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) دليلًا فذّا على ذلك. كما أن ياقوت الحموي (626هـ / 1229م) خلّف كتابه الكبير المسمى (معجم البلدان) ليكون دليلًا ساطعًا على رحلة التاجر العربي في عصور السيادة الإسلامية, إذ كان ياقوت الحموي يقوم برحلاته بهدف التجارة أساسًا.
وكانت هناك أسباب أخرى متنوعة للرحلة عند المسلمين, بعضها شخصي فردي, وبعضها الآخر كانت سفارات بتكليف من الحكام لسبب أو لآخر, على أن أهم ما يلفت النظر في تاريخ الرحلة العربية الإسلامية هو أن طابع المبادرة الشخصية كان العامل الحاسم في غالبية هذه الرحلات, ولم تكن الدولة, أيّا كان اسمها, تقوم بتمويل هذه الرحلات إلا في أضيق نطاق, وربما كان ذلك مقصورًا, على الحالات التي كانت الرحلة فيها سفارة أو مهمة رسمية بتكليف من الحكام.