فهرس الكتاب
يلاحظ المتتبع للشأن السوداني تزايداَ مطردا, بل وتفاقما, في هجرة السودانيين منذ السبعينيات من القرن الماضي حتى أن الدولة أنشأت جهازاَ خاصا سمته (جهاز السودانيين العاملين في الخارج) . نعم إن ظاهرة الهجرة لم تكن جديدة على البلاد تماما, فقد عايشتها منذ قرون عديدة, غير أن هجرة هذا الزمان تختلف اختلافا جذريا في حجمها ومضمونها وتداعياتها عن (السياحة) السابقة. فاغتراب العصر اضطراري واقتصادي, حيث إن الدولة قد عجزت عن توفير فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلات وتطلعات أولئك المغتربين الذين قصدوا أصقاع العالم المختلفة - الإسلامي وغير الإسلامي - سعيا وراء الرزق رغم ما في ذلك من تداعيات كبيرة وأحيانا خطيرة عليهم وعلى وطنهم. ثم إن هذا الاغتراب قد شمل كل شرائح المجتمع من مهنيين وفنيين وعمال ومزارعين, ومن الرجال والنساء الذين تجاوز عددهم ثلاثة ملايين. أما السياحة السابقة فقد كانت محدودة جدا وطوعية إن صح التعبير. وذلك لأنها اقتصرت على طلاب العلم الذين هدفوا إلى توسيع مداركهم في المؤسسات الإسلامية كالأزهر الشريف والحرمين الشريفين (1) , ومن ثم إلى بعض الجامعات الغربية, إضافة إلى بعض الإداريين وأساتذة اللغة العربية الذين أوفدوا للعمل في بلاد مثل اليمن ونيجيريا (2) , وعدد قليل من التجار المغامرين كالزبير باشا. غير أننا معنيون في هذا المقال بشريحة أخرى من هؤلاء المهاجرين تمثلت في نفر قليل من الدعاة الذين نذروا أنفسهم لنشر الإسلام والدفاع عن عقيدته خارج حدود وطنهم. يحدثنا التاريخ عن عدد من الدعاة السودانيين الذين هاجروا طواعية خلال القرن العشرين لنشر الإسلام والدفاع عنه في وجه الهجمة الغربية الشرسة والتي وصفته بالحسية المفرطة والجمود والتخلف, بل وحتى الإرهاب. ومن هؤلاء محمد علي دوس, الذي ولد عام (1867) تقريبا, وقصد مصر ثم بريطانيا فأمريكا وأخيرا نيجيريا (3) . أما الداعية الإسلامي المشهور أحمد محمد السوركتي