فهرس الكتاب
هذا الكتاب هو أشبه بمذكرات يومية سجل ابن جبير فيها ملاحظاته أثناء رحلته التي بدأها في شوال سنة 578هـ, وانتهى منها بعودته إلى الأندلس 22 من المحرم سنة 581هـ. وهذه المشاهدات تعد بحق وثيقة تاريخية صادقة وبالغة الأهمية تعين الباحث على تلمس الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأدنى بصفة عامة, وأحوال المسلمين لمناطق نفوذ الصليبيين في جزيرة صقلية النورمانية بصفة خاصة.
وقد أولى المستشرقون عناية خاصة بالرحلة, وتم تحقيقها لأول مرة سنة 1852 من طرف وليام رايت illiamWright (3)
من هذا المنطلق سنحاول الوقوف على ذلك في هذا العرض الذي نهدف منه توضيح بعض ما جاء في الرحلة من نصوص حول أوضاع المسلمين تحت الحكم الصقلي النورماني, وذلك على مستويين اثنين:
-في المستوى الأول سنحاول رصد وتتبع صور حالة الرضى بالعيش تحت الإدارة الصقلية (رؤية الآخر, والتعايش معه) .
-بينما سنجنح في المستوى الثاني إلى مناقشة الصيغ والكيفيات التي تم بها عرض صور حالة الاضطهاد الديني وحتمية الخوف من المصير (الهجرة والإكراه) .
1 -حالة الرضى بالعيش تحت الإدارة الصقلية: (رؤية الآخر, التعايش)
يبدو أن روح التسامح الديني التي أظهرها النورمان (4) سارت جنبًا إلى جنب مع الحماس الديني والعسكري منذ البداية. فمنذ أن استقر أمر الجزيرة لرجار الأول, جرى على سياسة التعايش بين المسلمين والصليبيين. يقول المؤرخ المعاصر (ملاترا) - إن رجار لما فتح بلرم (1072م) (بالرمو) وعد المسلمين بألا يؤذيهم بشيء, وأن لا يكره أحدا على تبديل دينه (5) .
ويقول الإدريسي عن الكونت رجار: (ولما صار أمرها اليه.. نشر سيرة العدل في أهلها, وأقرهم على أديانهم وشرائعهم, وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم, ثم أقام على ذلك مدة حياته..) (6) .