فهرس الكتاب
ويمكن القول أن من أسباب هجرة العلماء, تكمن إما في عدم رضاهم بالعيش في دار الحرب, وفي عجزهم عن إظهار دينهم (حالة ابن أبي زرعة) , أو في عدم توافر مراكز علمية فيها مساحة من الحرية في إلقاء الدروس الدينية وإبداء الاجتهادات من فتاوي ونوازل شرعية.
كذلك يتحدث ابن جبير عن اجتماعه بزعيم مسلمي صقلية القائد أبي القاسم بن حمود, المعروف بابن الحجر, وقدم قدِم إلى أطرانبش أثناء مقام ابن جبير فيها, (وكان هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية(وليام الثاني) ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا فيها أحاديث مزوّرة نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين... وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفًا على الثلاثين ألف دينار مؤمنية... فاتفق في هذه الأيام رضى الطاغية عنه, وأمره بالنفوذ لهم أشغاله السلطانية... وصدرت عنه عند وصوله إلى هذه البلدة (أطرانبش) رغبة في الاجتماع بنا, فاجتمعنا به فأظهر لنا من باطن حاله وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دمًا, ويذيب القلوب ألمًا, فمن ذلك أنه قال: كنت أود لو أباع أنا وأهل بيتي, فلعل البيع يخلصنا مما نحن فيه, ويؤدي بنا إلى الحصول في بلاد المسلمين...
(ومن عظم هذا الرجل الحمودي في نفوس النصارى أبادهم الله أنهم يزعمون أنه لو تنصّر لما بقى في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله اتباعًا له واقتداء به...) (31) .
ومما يؤكد على ما ذكره ابن جبير أن الشاعر المصري ابن قلاقس كان قد حلّ ضيفًا على أبي القاسم بن الحجر (563هـ/1168م) , وقد امتدحه بقصائد وألف له كتابًا (الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم) , وكان زعيم المسلمين حينئذ في الجزيرة, والذي يعرفه أنه كان يلقّب بالقائد, وأنه كان من الأغنياء ذوي الاقطاعات الواسعة (32) .