فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 239

ومن حسن الطالع أن طال مقام ابن جبير في اطرانبش مضطرًا, وذلك لتعذّر الابحار منها بسبب الأنواء وسوء الأحوال الطقسية, وقد مكنه ذلك أن قدم لنا صورًا ومشاهدات بالغة الأهمية تفيد عن حالة حتمية الخوف من المصير القادم في جزيرة صقلية. يقول: (وأهل النظر في العواقب منهم يخافون أن يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة أقريطش(كريت) من المسلمين في المدة السابقة, فإنه لم تزل الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج الشيء بعد الشيء حالًا بعد حال حتى اضطروا إلى التنصّر عن آخرهم, وفر منهم من قضى الله بنجاته....) (27) .

وقد ترجم هذا الوضع النفسي إلى هجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام, إذ ارتبطت في أغلبها بالأوضاع المزرية التي كان يتخبّط فيها المسلمون في تلك الناحية. وكانت أطرانبش (في الطرف الغربي من الجزيرة) - الميناء الرئيسي لهجرة المسلمين إلى الأندلس وشمال إفريقيا (28) .

وبخصوص أسباب هذه الهجرات وظروفها, انفرد ابن جبير بذكر معلومات قيمة, تلقي الضوء على أحوال المسلمين في مدينة أطرانبش من جزيرة صقلية, بل تحدثت عن هجرات فردية من مختلف الشرائح الاجتماعية في الجزيرة, فهو يتحدث عن فقيه اسمه ابن أبي زرعة, ضغطته العمال بالمطالبة حتى فراق دين الاسلام والانغماس في دين النصرانية ومهر في حفظ الإنجيل, ومطالعه سير الروم, وحفظ قوانين شريعتهم, فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية, ربما طرأ حكم إسلامي فيستفتى فيه أيضًا لما سبق من معرفته بالأحكام الشرعية (29) . ومع ذلك فأعلمنا أنه يكتم أيمانه, فلعله داخل تحت الاستثناء في قوله: (الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) (30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت