فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 239

ولا ننسى أيضًا أنه حينما كان ابن جبير ببلرم ترك لنا وصفًا يحاكي حالة الاضطهاد والوضع النفسي للمسلمين فيها, فقد كانت صلاة الجمعة محظورة عليهم, ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للخليفة العباسي... وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم (25) .

من هذا نخلص أن عقدة الاضطهاد والاكراه مستمرة حتى في الحاضرة الصقلية, فكما نلحظ بأن صلاة الجمعة محظورة عليهم, والخطبة في العيدين في الحاضرة بلرم كانت الدعوة فيها للخليفة العباسي الناصر لدين الله وقتئذ, وكان ضعيفًا نائيًا في بغداد, ولم تكن للخليفة الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي الأقرب إليهم في المغرب, وإن دل هذا فإنما يدل على العداء والتربص الخفي بين الموحدين والصقليين, خصوصًا بعد أن بسطوا سيطرتهم على مدن ساحل إفريقيا عام 555هـ/1160م. وكان لهذا العامل الأخير تأثير كبير على وضع المسلمين في الجزيرة, وذلك بأن جرّدوا من السلاح في بلرم. ولما تم تجريدهم من السلاح وقعوا فريسة سهلة لسخط اليارونات النورمان واللمبارد في سنة 1161م.

ولم تكن ترتاح نفوس النصارى في اطرانبش من جزيرة صقلية من التظاهر الصاخب بالأعياد الدينية للمسلمين, فتلك الطبول والبوقات كانت تزعق في أسماع أهل النصارى بأصوات التحدي, وتدوي بالكراهية المتبادلة التي تغطى بالاغضاء والتورية.

يقول ابن جبير: (وخرج أهل البلد إلى مصلاهم مع صاحب أحكامهم وانصرفوا بالطبول والبوقات, فعجبنا من ذلك ومن إغضاء النصارى لهم عليه...) (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت