فهرس الكتاب
هذا ويتفق المؤرخ هوجو فلقندو على ما ذكره ابن جبير, فهو يذكر أن رجال الجرائد (عبيد الأرض) في صقلية كانوا مسلمين أو يونانا يقول: (وليس في صقلية من يدفع الجزية السنوية إلا المسلمون واليونان وهم وحدهم الذين يلحقهم اسم الأرقاء(رجال الجرائد ) ) (21) .
وتثبت وثيقة عربية من القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي أن العرف التجاري كان يسمح بأن يباع الحر عبدًآ, فقد أذن لجماعة من البحّارة المسلمين أن يحملوا ذهبًا من جفلوذ إلى مسينة خاصًا بسيد اسمه وليم, ويرهنوا ممتلكاتهم ضمانًا عنه, وكان فيهم حاج يدعى عثمان رهن نفسه من الصراف, لأنه لم يكن يملك شيئًا آخر حتى إذا استطاع أن يدفع ما عليه أصبح حرّا (22) .
ومن القضايا الاضطهادية التي لفتت انتباه ابن جبير كذلك اختيار كتمان الإسلام كوسيلة للبقاء, إذ يقدم لنا في هذا الصدد ما يعكس حالة الاضطهاد الديني, وتأتي أهمية شهادته من أنه كان شاهد عيان. ومما سجله أنه لقى من المسلمين بمسينة فتى اسمه عبدالمسيح من وجوههم وكبرائهم, فاحتفل في كرامتنا وبرنا, وباح لنا بسرّه المكنون بعد مراقبة منه مجلسه أزال له كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه... وقال لنا: أنتم مدلون بإظهار الإسلام, ونحن كاتمون إيماننا, خائفون على أنفسنا, متمسّكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرّا, معتقلون في مملكة كافر بالله, قد وضع في أعناقنا ربقة الرق, فغايتنا التبرّك بلقاء أمثالكم من الحجاج....) (23) .
هذا ويضيف ابن جبير أن (من عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذًا من مجلسه فيقضون صلاتهم, وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فسترهم الله, فلايزالون بأعمالهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم....) (24) .