فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 239

إن المتتبع للنصوص التي وردت بهذا الصدد يلاحظ أن مناطق الموانئ والقرى والمزارع تضررت أكثر من غيرها بحركة الهجرة التي حدثت إبان الهجمة النورمانية على الجزيرة, بل لقد استمرت هذه الهجرات إلى حدود الربع الأخير من القرن السادس الهجري. وهذا ما يدعونا للتفكير مليًا في أحوال المسلمين الاجتماعية في مناطق نفوذ الإدارة الصقلية, وفي الترقب المستمر الذي كان يشعر به هؤلاء إزاء أسيادهم حتى العقدين الأخيرين من القرن السادس الهجري.

فعلى الرغم من حالة التعايش والتسامح المؤقت بين الطرفين, إلا أنه لا يصح تعميم ما ذكر مع الواقع التاريخي الذي يأخذ اعتبار السياق والزمان والمكان, وفي فترة كتلك التي تغطيها أحداث الرحلة خاصة ما تعلق منها بالقرى والبوادي التي سقطت في أيدي النورمان دون مقاومة تذكر ولم توقع اتفاقيات من شأنها أن تضمن حقوقها. من أجل ذلك تدني وضع مسلمي هذه المناطق إلى مرتبة رقيق أو أقنان أرض للسادة الإقطاعيين.

من ذلك ما أورده ابن جبير عن المسلمين في مسينة, إذ يقول إنه ليس فيها من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن, ولذلك يستوحش بها المسلم الغريب (18) .

كما يتحدث أنه لولا حضور الملك الصقلي فيها لانتهب جميع ما في المركب الذي أقله انتهابًا, وربما كان يستعبد جميع ما فيه من المسلمين, لأن العادة جرت لهم بذلك (19) .

ويتضمن مؤلفه كذلك نصًا مفيدًا يساعد المهتم على فهم الوضع القيدي للمسلمين التابعين لمناطق نفوذ البارونات النورمان واللمبارد- يقول فيه: (وضربوا عليهم إتاوة في فصلين من العام يؤدونها, وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها) ... (20) .

إشارة تجسد تدني وضعية المسلمين في هذه المناطق وتضيق الكامل للممتلكات من الأراضي التي آلت ملكيتها تباعًا إلى الكنيسة ورجال الدين والنبلاء الإقطاعيين والمزارعين النصارى, يبدو أن الفلاحين المسلمين فقدوا كل حرية وأصبحوا رقيق أرض أو عبيدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت