فهرس الكتاب
أما في مدينة ثرمة (Threma) فقد وجد بن جبير أن للمسلمين ربضا كبيرا, لهم فيه المساجد, وكان في قصر سعد وهو على فرسخ من مدينة بلرم قبور كثيرة لصلحاء المسلمين من أهل الزهادة والورع, وهذا القصر موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان. ويذكر لنا ابن جبير أنه يوجد في أعلى قصر سعد (مسجد من أحسن مساجد الدنيا بها, فبتنا في هذا المسجد أحسن مبيت وأطيبه, وسمعنا الأذان وكنا قد طال عهدنا بسماعه) (16) .
يبدو أن أحوال المسلمين في بلرم وثرمة أثناء فترة حكم وليام الثاني التي سادها السلام والتسامح كانت مرضية ولم تكن آمنة تمامًا. ذلك إذا ضعف الملك عن حمايتهم تتربص بهم الدوائر من غلاة النصارى, والملاك الاقطاعيين. هذا حالهم في الحواضر والمدن على حد تصورنا.
أما في البوادي والأرياف فلم يكونوا إلا أرقاء ورهائن في يد الملك يهدد بهم حكام المسلمين (الموحدين نموذجا) .
ويبدو, أن النورمان آمنوا بالواقع وخضعوا لاعتبارات الموقع الجغرافي, والحقائق السياسية الخارجية, والحالة الحضارية الداخلية الأمر الذي جعل التوازن بين المصالح والفئات المتضاربة أمرًا لا غنى عنه.
إذن, يتضح مما سبق أن وصف ابن جبير كان يهم منطقة محددة هي تلك التي يتحدث عنها في زمن محدد هو الذي صور فيه ما رأى إن كان تدوينه لما شاهد تدوينًا آنيًا (17) . وأنه من غير الصحيح تعميم هذه المشاهدات على مناطق أخرى حتى في نفس الفترة.
2 -حالة الاضطهاد الديني وحتمية الخوف من المصير: (الهجرة والإكراه)