فهرس الكتاب
وحتى في خارج القصر, كانت النصرانيات في بلرم يقلدن المسلمات. يقول في وصفه: (وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين: فصيحات الألسن, ملتحفات, منتقبات, خرجن في هذا العيد المذكور(عيد ميلاد المسيح) وقد لبسن ثياب الحرير المذهب, والتحفن اللحف الرائقة, وانتقبن بالنقب الملونة... حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلي والتخضب والتعطر) (11) .
كما يمتدح ابن جبير وليام الثاني لاستفادته من خبرات المسلمين, فقد اتخذت دولته نوعا من أنواع الدواوين الإسلامية وهو ما يعرف بـ (ديوان الطراز) والتقى ابن جبير مع واحد من أولئك الطرازين يسمى يحيى ابن فتيان الطراز (12) . وهنا نلحظ أن وليام الثاني قد تأثر بالصبغة الإسلامية في الأبهة الملوكية للحكام المسلمين في المشرق العربي.
ولم ينس ابن جبير أن يسجل اللطف الذي قابله به النصارى ومبادرتهم له ولرفقائه بالسلام ومؤانستهم, ومحضهم النصح إذا اقتضى ذلك, وإغضائهم على تظاهر المسلمين عند تأديتهم بعض الشعائر الدينية في شهر رمضان وعيد الفطر. حتى يتراءى لابن جبير ان من سياستهم ولين مقصدهم مع المسلمين, ما يوقع الفتنة في نفوس أهل الجهل على حد تعبيره (13) .
ويلاحظ ابن جبير في مدينة بلرم أن للمسلمين (رسما باقيا من الإيمان, فهم يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموعة, ولهم أرباض(أحياء سكنية) قد انفردوا فيها بسكناهم مع النصارى, والأسواق معمورة بهم, وهم التجار فيها... وأما المساجد فكثيرة لا تحصى, وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن) (14) .
وبالجملة, فإن عامة المسلمين كانوا ينظرون إلى إخوانهم المسلمين الموظفين في خدمة النورمان بأنهم غرباء عنهم, وأنه لا يشعرون بالاطمئنان على أموالهم ونسائهم وأبنائهم (15) .