فهرس الكتاب
ففي وصف صورة الملك النورماني وليام الثاني يقول:(وشأن هذا الملك عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب, وكلهم أو أكثرهم كما تم إيمانه متمسك بشريعة الإسلام... وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم. ووزراؤه وحجابه الفتيان, وله منهم جملة كبيرة من أهل دولته.
ومن عجيب شأن المتحدث به أنه يقرأ ويكتب العربية, وعلامته على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به: الحمد لله حق حمده. وكانت علامة أبيه: الحمد لله شكرًا لأنعمه) (8) .
قد وجد ابن جبير أن حزب القصر من المسلمين في بلرم مقربون إلى وليام الثاني, وأنه كثير الثقة, فلذلك استعملهم في كثير من الوظائف الإدارية والمالية, وهذا إن دل فإنما يدل على العداء المستتر بين حزب القصر برعاية الملكة مارجريت النافارية وولدها الملك وليام الثاني وحزب النبلاء وهم الأرستقراطيون المالكون للإقطاعات في بلرم وما جاورها من المدن الأخرى في الجزيرة. لذا, كان لأولئك الفتيان المسلمين الحظوة لدى الملك, إذ كانوا عيون دولته وأهل عمالته ومحل ثقته, فهم يصومون ويتصدقون ويفتكون الأسرى ويعد ابن جبير هذا صنع من الله عز وجل لمسلمي هذه الجزيرة وسر من أسرار اعتناء الله عز وجل بهم على حد تعبيره (9) .
كما يلقي لنا ابن جبير بعض الضوء على بقاء التراث العربي الإسلامي في بلاطه وفي الحياة الصقلية عامة, فهو يذكر أن علامة وليام الثاني بالعربية (الحمد لله حق حمده) , وأنه يتكلم بالعربية ويتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك وإظهار زينته بملوك المسلمين.
أما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن.. وأن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة, تعيدها الجواري المذكورات مسلمة, وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله) (10) .