فهرس الكتاب
وكانت (البوليفارات) التي شقّها هاوسمان في قلب باريس, مسلحا بفرمان ملكي من نابليون الثالث, استهلالا ثوريا للحياة المدنية للمدينة الحديثة في القرن التاسع عشر, فقد أدّت هذه البوليفارات - فيما يقول مارشال بيرمان في كتابه عن (تجربة الحداثة) المنشور في نيويورك سنة 1982 - إلى زيادة الانسياب والتدفق عبر مركز المدينة على نحو لم يحدث من قبل, وساعدت على الانتقال مباشرة من أقصى المدينة إلى أقصاها, كما أتاحت متنفسًا وسط كثافة العتمة والاكتظاظ البشري, وأعانت على التوسع المتزايد للتجارة المحلية, الأمر الذي خفف من الأعباد المالية التي ترتبت على التدمير الكبير للمنازل والطرق القديمة التي كان لابد من إزالتها لشق البوليفارات, فضلا عن أعباء تكاليف التعويضات والبناء الجديد. ولم تكن (البوليفارات) عونا على الازدهار الاقتصادي والحراك الاجتماعي فحسب, وإنما كانت وسيلة للانضباط في الوقت نفسه, فمن شأنها أن تفضي إلى خلق ممرات طويلة, عريضة, تستطيع الوحدات العسكرية وبطاريات المدفعية أن تتحرك فيها بسهولة ويسر لتدمير أي متاريس مستقبلية أو أي حركات تمرد أو عصيان شعبي.