فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 239

وأعتقد أن الأهمية الكبرى من نشر هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات هو أنه يطرح صورة مغايرة للعربي الذاهب إلى أوربا, خاصة في مواجهة الصورة التي تؤطرها بعض أجهزة الإعلام الأوربي تؤازرها في ذلك ماكينة الدعاية الصهيونية, وأعني بها صورة الإرهابي الذي لا يسعى إلا إلى نسف الأبراج وتفجير القطارات, فالكتاب يطرح صورة أخرى مستمدة من التجارب, ومؤكدة من خلالها خطأ هذه الصورة, فنحن طلاب علم ومعرفة ورغبة في الحياة, ولسنا طلاب تخريب وإفناء لأنفسنا وللآخرين, وأننا نسعى لأن نكون شركاء أحرارا في عملية التحديث المعاصرة, ولن نكون أبدا من عوامل إطفاء أنوار الحضارة والتقدم. وصفحات هذا الكتاب خير برهان على ذلك.

سليمان إبراهيم العسكري

الرحلة إلى الآخر في القرن التاسع عشر

ربما كان أهم ما تركته مدافع نابليون من أثر في الوعي العربي العام في آخر القرن الثامن عشر أنها نبّهت هذا الوعي إلى تخلف العالم الذي يعيش فيه وضرورة تغييره. ولذلك طرح سؤال التخلف نفسه بقوة على هذا الوعي في موازاة الهزائم المتلاحقة. وكان السبيل إلى الإجابة الموجبة - من وجهة نظر أصحابها في ذلك الوقت - مقترنا بضرورة التعرف على حضارة الغرب الذي تقدّم وانتصر, وصنع نموذجا حضاريا متفوّقا, أخذ يخايل العيون بمخترعاته المادية, ويجتذب العقول بلوازمه الثقافية والاجتماعية والسياسية. صحيح أن هذا الغرب كان موجودًا بمعنى أو آخر قبل الحملة الفرنسية, وذلك منذ أن تبادل الشرق وأوربا التجارة والسفراء في القرون الوسطى, لكن إقامة التجار والسفراء الأوربيين لم يكن لها من التأثير ما صنعته مدافع نابليون وجنوده, فضلًا عن أجهزته العلمية المصاحبة التي وضعت الوعي العربي أمام تخلّفه للمرة الأولى, في حدة معرفية جذرية, حدة جعلت من حضور الاحتلال الفرنسي مرآة تكتمل فيها معرفة الوعي بحدوده الذاتية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت