فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 239

إنني أعتقد أن القضايا التي يثيرها هذا الكتاب, تصب كلها في أسئلة المستقبل, فالكيفية التي نتعامل بها مع الغرب لا تعني الماضي فقط, ولكنها تجسد ما نتطلع إليه, فهي تنطوي على رؤانا المتعددة للذات والآخر وللعالم من حولنا ولا أريد أن أستغرق في التاريخ القديم, بالرغم من أن التاريخ كان دوما محور اهتمامي, ولكني تعلمت من حكمته أن المرء يمكن أن يتحمل المحن عندما تأتيه من الخارج كأمور طارئة, ولكن العذاب الحقيقي هو ما يصيب المرء من جراء أخطائه, واعتقد أننا كعرب قد أخطأنا في حق أنفسنا كثيرا.

المشكلة الحقيقية ـ في رأيي ـ تكمن في قابليتنا - أفرادًا وشعوبًا - للتحدي الحضاري. ولقد واجهنا هذا التحدي الحضاري في القرون الوسطى إبان الحروب الصليبية,واستطعنا أن نسترد الأرض التي سلبتها منا تلك الحملات التي تدفقت علينا من الغرب, بالرغم من أنها كانت رافعة سيوفها متدثرة بمسوح دينية زائفة, ولكن في الوقت الذي حول فيه الغرب هذه الهزيمة إلى قوة دافعة له, جعلته يخرج من ظلمة العصور الوسطى, استنام العرب لهذه الانتصارات, وقادتهم عوامل الفرقة والتناحر إلى الدخول في ظلمات التخلف, وعندما أخذ الغرب بأسباب العلم الحديث, وأطلق العنان لقدرة العقل في تدبير أمور حياته, تمسكنا نحن بأهداب الجهل والخرافة, والمشكلة مع الجهل أنه يكتسب الثقة كلما طالت مدته, لذلك فقد واصلت الفجوة الحضارية التي تفصل بيننا وبين الغرب درجة اتساعها.

وتوضح فصول هذا الكتاب أن النهضة العربية, وازدياد نزعات التحرر قد ارتبطت بإعادة اكتشاف الغرب من جديد, بعيدا عن جبروت الاستعمار, فقد حاول رواد عصر النهضة اكتشاف ذلك الوجه الحضاري الذي يعتمد العقل منهجا, والعلم وسيلة لتحقيق التقدم, وأعتقد أننا لم نستفد من نظرات هؤلاء الرواد الاستفادة الكاملة, وأقول جازما إن هذا هو أحد الأسباب في عدم توصلنا حتى الآن إلى صيغة للتفاهم مع الغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت