فهرس الكتاب
ثانيا: يكشف كتاب رفاعة الطهطاوي عن البنية العقلية للأنا التي لم تكن تقبل إلا ما يتوافق معها, وترفض ما لا يتوافق معها. ولذلك لم يقبل صاحب (تخليص الإبريز) رفاعة الطهطاوي - على سبيل المثال - من مظاهر التقدم في الغرب إلا ما رأى له سندا عقلانيا لا يتعارض والشرع الذي كان يجسده رفاعة بثقافته الدينية. ولذلك يبدأ كتابه بقوله:
(وقد أشهدت الله سبحانه وتعالى على ألا أحيد في جميع ما أقوله عن طريق الحق, وأن أفشي ما سمح به خاطري من الحكم باستحسان بعض أمور هذه البلاد وعوائدها على حسب ما يقتضيه الحال. ومن المعلوم أني لا أستحسن إلا ما لم يخالف نصّ الشريعة المحمدية, على صاحبها أفضل الصلاة وأشرف التحية) .
وكان استحسان ما وافق الشريعة يتم على أساس عقلاني عند رفاعة الذي لم يتخل عن نزعته العقلانية, وإنما زادتها باريس عمقا واتساعا في مدى التأويل. ومن المؤكد أن تراثه العقلاني الذي عرف فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال هو الذي شجّعه على الإفادة من أفكار التنوير الأوربي بما يناسب طموح تطلعه إلى مستقبل واعد. ولذلك جعل رفاعة من مبدأ التحسين والتقبيح العقليين الذي ورثه عن المعتزلة إطارا مرجعيا لقبول أو رفض ما طالعه في كتب التنوير الأوربية, أو ما تأثر به من منجزات الآخر. هكذا, كتب في (تخليص الإبريز) مؤكدا أن:
(الأمة الفرنسية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح العقليين, وأن أبناءها يعتقدون أنه لا يمكن تخلّف الأمور الطبيعية أصلا, وأن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير واجتناب ضده, وأن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافة تسد مسد الأديان, وأن الممالك العامرة تصنع فيها الأمور السياسية كالأمور الشرعية) .
وهذا كلام يبرر إعجاب رفاعة بما قرأه في مجال (الحقوق الطبيعية الذي هو(عبارة عن التحسين والتقبيح العقليين يجعله الفرنج أساسا لأحكامهم السياسية المسماة عندهم شرعية) .