فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 239

وعندما ينتقل رفاعة من النظم السياسية إلى العادات الاجتماعية في المنازل ويتطرق إلى وصف غرف الاستقبال في بيوت الفرنساوية, وكيف تقبل سيدة البيت لتحية الضيف أنيقة نضرة وسط أثاث يماثله في الجمال, لا يملك إلا أن يقارن بينها وبين غرف الاستقبال في بيوت القاهرة, معلقا بقوله: (فأين هذه الأرض بما احتوت عليه من اللطائف من أرضنا التي يحيا فيها الإنسان بإعطاء شبق الدخان من يد خادم في الغالب قبيح اللون) . ويقوده ذلك إلى الحديث عن أشكال النظافة في باريس التي تذكّره - على سبيل التضاد - بأشكال الوساخة في مصر, ويقارن بين اتساع الميادين النظيفة ووساختها في مدينته التي فارقها, غير ناس أن يتحدث عن العادات الصحية التي لم تكن تعرفها مدينته في ذلك الوقت. وتقوده أشكال النظافة إلى غيرها من أشكال الحياة في باريس التي تعيده باستمرار إلى وطنه في مدى المقارنة المؤسية, الظاهرة والباطنة, المباشرة وغير المباشرة, فعلاقات الحضور التي تمثلها باريس تقود دائما إلى علاقات الغياب التي تمثلها القاهرة, والتي تبرزها المواقف الحادة إلى مرتبة الحضور لاكتمال دلالة الأسى على التخلف والرغبة الحادة في التقدم.

وقد نتج عن ذلك أن كتاب رفاعة لم يكن وصفا لأوربا وحدها, أو وصفا لأحوال التقدم الفرنسي على وجه الخصوص, وإنما كان وصفا لأحوال الوطن العربي في الوقت نفسه, ومن ثم وصفا لأحوال التخلف. ولذلك كانت عناصر الحضور في الوصف مقترنة بعناصر الغياب التي كانت تشير دائما إلى الأصل الذي يستعاد, إما على سبيل الاستهجان لما فيه بالقياس إلى استحسان ما هو موجود لدى الآخر, أو على سبيل المقارنة المضمرة التي لا تخفي الإعجاب من الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت