فهرس الكتاب
وإذا كانت اللغة تدل على الفكر, في علاقته بآلاته التي تدفعه إلى التقدم, أو التخلف, فإن تدبير الدولة يدل على تقدمها وتخلفها من حيث شيوع العدل فيها, أو غيابه. ولذلك يأتي تعليق رفاعة على المادة الأولى والثانية من الدستور الفرنسي تعليقا بالغ الدلالة, خصوصا لأن هاتين المادتين تنصان على أن سائر الفرنساوية متساوون قدام الشريعة, وأنهم يعطون من أموالهم بغير امتياز شيئا معينا لبيت المال, كل إنسان على حسب ثروته. ويعقب رفاعة على ذلك بأن مبدأ المساواة من جوامع الكلم عند الفرنساوية, ومن الأدلة الواضحة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية, وتقدمهم في الآداب الحضرية. ويمضي في شرح معنى الضرائب بقوله إنها (لو كانت مرتّبة في بلاد الإسلام كما هي في تلك البلاد لطابت النفس) .
ولا يكتفي رفاعة بذلك بل يضيف إليه شارحا أن القانون الفرنسي (فيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل) . ويتناول ما يقترن بمبدأ العدل من الحرية السياسية والفكرية التي (تقوّي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لا يضر غيره) . ولا يغفل ما يتصل بمبدأ الحرية من ازدهار الصحافة (الورقيات اليومية المسماة بالجورنالات والكازيطات) . وهي التي يعرف منها سائر الأخبار المتجددة, داخليا أو خارجيا. ومن فوائدها الجلية (أن الإنسان إذا فعل فعلا عظيما, أو رديئا, وكان من الأمور المهمة, كتبه أهل الجورنال ليكون معلوما للخاص والعام, لترغيب صاحب العمل الطيب, وردع صاحب الفعلة الخبيثة, وكذلك إذا كان الإنسان مظلوما من إنسان, كتب مظلمته في هذه الورقات, فيطلع عليها الخاص والعام, فيعرف القصة المظلوم والظالم من غير عدول عما وقع فيها, ولا تبديل, وتصل إلى محل الحكم, ويحكم فيها بحسب القوانين المقررة, فيكون مثل هذا الأمر عبرة لمن يعتبر) .