فهرس الكتاب
ومن المؤكد أن باريس نفسها كانت تؤدي دور المرآة في وعي رفاعة الطهطاوي داخل هذا المنحى الدلالي نفسه. ولذلك كانت دافعه إلى المقارنة بين ما يراه فيها وما تستدعيه ذاكرة من صور وطنه. والأمثلة على ذلك كثيرة في (تخليص الإبريز) . وأولها ما يذكره في خطبة الكتاب من أن هدفه من الرحلة كان التزوّد من العلوم البرانية والفنون والصنائع (فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت شائع. والحق أحق أن يتبع) . ويتبع رفاعة هذه الإشارة بما يغدو قرينا لأمثالها, على طريقة (والضد يظهر حسنه الضد) ما يؤكده بالقسم علي النحو التالي: (ولعمر الله إنني, مدة إقامتي بهذه البلاد, في حسرة على تمتّعها بذلك وخلو ممالك الإسلام منه) . ويختم خطبة الكتاب بالدعاء لله أن يغدو كتابه مقبولا لدى الخاص والعام, وأن يوقظ به من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام.
ويبدو أن هذا الحرص على إيقاظ النيام هو الذي دفعه إلى الاهتمام باللغة الفرنسية من حيث قدراتها الأدائية التي لا يتلاعب فيها بالعبارات ولا بالمحسنات البديعية اللفظية (وكذا غالب المحسنات البديعية المعنوية, وربما عد ما يكون من المحسنات في العربية ركاكة عند الفرنسيين) ويتصل بذلك ما ينتهي إليه من أن سهولة اللغة الفرنسية تعينهم على التقدم, حيث إنه لا التباس فيها أصلا, فالألفاظ مبينة بنفسها, والقارئ لكتاباتها لا يحتاج إلى تطبيق ألفاظه على قواعد أخرى برانية من علم آخر, وذلك (بخلاف اللغة العربية مثلا, فإن الإنسان الذي يطالع كتابا من كتبها في علم من العلوم يحتاج إلى أن يطبقه على سائر آلات اللغة, ويدقق في الألفاظ ما أمكن, ويحمّل العبارة معاني بعيدة عن ظاهرها) . وأما كتب الفرنسيس فلا شيء من ذلك فيها, فليس لكتبها شرّاح ولا حواش. فإذا شرع الإنسان في مطالعة كتاب في أي علم كان, تفرّغ لفهم مسائل ذلك العلم وقواعده من غير محاكّة الألفاظ).